Yahoo!

أرث كتاب الموتى..وأغني/محمد الأمين سعيدي.

كتبها محمد الأمين سعيدي ، في 22 أكتوبر 2011 الساعة: 11:08 ص

أرث كتاب الموتى..وأغني/محمد الأمين سعيدي

للوجع الذابل في عينيكِ صلاةُ الغائب

لهُ كلُّ بكاءِ الأرضِ
وحزن الشجرِ النبويِّ المورق في الروحِ
له بركاتُ الشيخِ الأكبرِ
وملائكة تبصرُ أنهارَ شقاوتنا
فتسبِّحُ علَّ سرورا ينزلُ
ولكِ الوجعُ الذابلُ في عينيَّ
وموتي المتسكع في الطرقاتِ
مروري منفجرا كفدائيٍّ يحلم بالجنة قبل مواسمها
ويُغادرُ..
تحمله النيرانُ إلى الأبديِّ الأعمى
يا طفلة هذا الوجعِ الغائرِ
يا غيبا يمنحني كفنا من قطعِ الليلِ
يُعلِّمني كيف أموتُ سعيدا بزوال الحالِ
وكيف أودِّع هذا الجسدَ الآفلَ
أشرقُ في آخرتي ما في الجبَّة إلا الجرحُ
وذاكرةٌ لدوامِ الحالِ
لعشقٍ يحملُ سيف مسيلمةٍ…ويمزِّقني
لامرأة حملتني في السقطة أسفل هذا الوعيْ
وغدتْ شبحا يتملَّكني
فتطاردني الشهبُ
لا أعرف كيف أموتُ ولـمَّا يهْجرْني التعبُ
وأنا مصلوبٌ-منذُ النشأة-في الحيرةِ
تخبرني الدُّسُرُ المحشوَّة في جسدي عن سرِّ الذبحةِ
عن سكراتِ البؤسِ تناشدُ بارئها
عن عاشقةٍ تنتظرُ حبيبا لا يأتي
عن طاحونةِ حربٍ لا تشبعْ
وفناءِ الكوكبْ
يا خالقَ هذا الكونِ المُتْعِبِ..قلبي يتعبْ
ماذا أفعلُ في هذا الزمنِ الساقطِ من راحلة الدَّهرِ
يا أنثى ترميني بعواصفها
وأنا العالق في صحراءِ مواجعكِ الأزليَّةِ
أتبعُ صوتَ عصافير اليُتْمِ
وأسمعُ في الأرجاءِ نواحَ الأرضِ على الإنسانِ المقتولِ
وكلَّ وصايا الموتى
أرث كتابَ الموتى..وأ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

رحلةُ الأرضيِّ إلى السماويِّ في ديوان”الملائكة أسفل النهرِ”

كتبها محمد الأمين سعيدي ، في 22 يونيو 2011 الساعة: 21:50 م

 

رحلةُ الأرضيِّ إلى السماويِّ في ديوان"الملائكة أسفل النهرِ"للطيب لسلوس
بقلم الشاعر محمد الأمين سعيدي
"الملائكة أسفل النهر"، ديوان قرأته بين السماءِ والأرض، أقصدُ أثناءَ سعادتي بالإفلاتِ من ثقلِ الطين وقبضة الجاذبية وامتطاءِ الخفَّةِ، وحزني بالعودةِ من جديدٍ إلى الالتصاقِ بأرضيتي والخضوعِ لقوتها الجاذبة، لدورانها حول نفسها وانقلابها علينا. والحقيقةُ أني قرأتُ نصف الديوان في طائرة عائدة إلى "وهران" بجانب فتاةٍ فرنسية جميلة كانتْ تسألني عن الكتابِ الذي في يدي، وعن الباهية وهران، عن شوارعها، ناسها، انتصاراتها وانتكاساتها، كانتْ تسألني على جمر، وأخبرها، كالراوي تماما، باستمتاعٍ كبير ونشوةٍ عارمة. وقرأتُ النصفَ الثاني من الديوان وأنا عائد إلى مدينتي برًّا، أيْ في الأرض، وفي خضوعٍ تامٍّ لقوانين الجاذبية، بجانبِ شابٍ ذواقٍ قرأ نصف الديوان وتناقشنا حوله. كما أنَّ صاحب الديوان الطيب لسلوس قرأ لنا بعض نصوصه تحت مطر غزير أمام مرسى سيدي فرج، حتى تبللتْ أوراقُه، وغلافه الأزرق المائل نحو البياض فأوحى لي بالنهر. وأنا أكتبُ عنه الآن، بعد تجربتي معه، في بيتي أرتشف القهوةَ وأستمعُ لموسيقى القناوي مع "كريم زياد".
من هنا، صرتُ أكثرَ اقترابا من العنوان أولا، باعتباره واجهة النص وعتبة بيته. ولأنه عنوانٌ واسع الدلالة، وقريبٌ في نظري من لوحة فنية غامضة، جمعَ بين ما يبدو متناقضا في الظاهرِ، وجعلَ منه ثنائية متماهيةً حدَّ الذوبان، وكأنّ المقصد من وراء هذا العنوان هو إعادة الأرضيِّ إلى السماويِّ عن طريق إنزال العلوي إليه: الملائكة أسفل النهر، والمقصد يتوضَّح حين نربط بين طبيعة الملائكة النورانية وطبيعة الماء التي تدلُّ على كل ما هو شفاف وصادق وغير خاضع للقوالب السابقة والنماذج المحددة، وكأنَّ المرادَ بالجمع بين الملائكة الدالة على العلوِّ، والنهر الدالِّ على الأرضيِّ، والأسفل، وعلى الماء، هو تشكيل لوحة عجائبية للروح، ولعوالمها الواسعة كالمحبة، لأنَّ هذه الأخيرة ذاتُ أصلٍ سماويٍّ لأنها روح من روح الله عزَّ وجلَّ، بدليل أول النفخِ:"ونفختُ فيه من روحي"(صدق الله العظيم)، وذاتُ تواجدٍ أرضيٍّ بحكمِ الشكلِ الترابيِّ الذي اختيرَ لها، الشكل المناسب لطبيعة الحياة في الأرض، المأخوذ ذات قبضة مباركة من أديمها، والمتكيِّف مع قوانينها وطبائعها.
"ريشتي على رأسي
أجيءُ إذا كسروا رقمَ الروح،
أختمُ زند نبيٍّ وأختفي في النهرِ ثانيةً
ولا تُطرقوا السمعَ فلا أثرَ لما أخطو إليهْ.
خواصُّ الروح ليستْ ما أفكِّرُ أنه القلب،
أو الاعتدالُ على موجةِ القمرْ.
ولكنَّ رجائي في الظلالِ."
يوحي هذا المقطع من قصيدة "العليانalien" بنوعٍ من الإيغالِ في الغائب والمخفيِّ، ابتداءً برمزية الريشة التي تدلُّ على التحليقِ، وعلى الخفَّة والتحرر، وصولا إلى "رقمِ الروحِ" المكسورِ، حيثُ تنعدمُ الحدودُ، وتسقط كل قيود الزمان والمكان، ويتسعُ غيبُ الرؤيا حتى يبقى"لا أثر لما يخطو إليه"، وتتعطَّل القيافة والعيافةُ بسبب تغلُّب الرؤياوي على المجسَّدِ، والروحانيّ على ظاهرِ الأثر، على آثارِ الجسد. حينها لا ثقة للشاعر، أو للصوتِ المتحدِّثِ داخل النص، ولا رجاءَ له إلا في الظلال، أو هكذا يستمثرُ مقولة ابن عربي في "فصوص الحكم":"فما يُعلَمُ من العالَم إلا قدر ما يُعلَم من الظلال". الظلالُ تلك الكائناتُ الممتدَّة امتدادَ الحيرة في عيون الشعراء، أو ذلك الأثر الذي لا تفقه فيه القيافة شيئا، ولا أملَ في أنْ تمسكَ به يد أو تلحق به قدم، أو يثبته مسمار أو دُسُر.
        ثم، لأنَّ الظلَّ من معكوسِ الشيء الموجودِ أصلا، فإنَّ رجاء الشاعرِ في معكوس روحه، أو في مكسورِ رقمها المعكوس، يُشكِّلُ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الأشياء الصغيرة مربكة أيضا..

كتبها محمد الأمين سعيدي ، في 30 أبريل 2011 الساعة: 02:31 ص

الأشياء الصغيرة مربكةٌ أيضا

محمد الأمين سعيدي/الجزائر

 
بعيدا جدا عن الأفكارِ الكبرى، وعن ثقلِ صخرة المعرفة على السيزيفيين الجدد، قريبا جدا من البسيط والعاديّ والمهمش؛ أحاولُ الآن اجتياح البياض مدججا بما تبقى في قلمي من كائنات الحبر، أحاول الاجتياحَ فارغا من كل فكرة مسبقة، وهاربا من كل حدود يفرضها النسقُ، وتستبدُّ بها "نازيَّةُ البنيةِ" والنظرية. أتقدَّم بصدرٍ عارٍ، وبوجه جنونيِّ الملامح؛ حرا كطائر متمردا كصوفيٍّ. حركاتي على البياض هي معنايَ الوحيد، لا شيء في جبة الدلالةِ، ولا دلالة في أفقِ الترقبِ؛ فطولُ كلماتي رهينٌ بما تبقى لديَّ من كائنات الحبر التي تبدو لمْ تخرجْ بعدُ من مرحلة الكولونيالية، لأنها تعشق الورقَ كما يعشق يهوديٌّ بلا وطن شبرا واحدا من الأرض.
كما قلتُ: هذا إفضاءٌ للورق في معزلٍ عن عيونِ المنهجية ومحدودية الطرحِ، وفي منأى عن بروتوكولاتِ كاتب المقال الذي أتلبسه أحيانا مرفوقا بصورة ذات وضعية تدلُّ على التأمل والحكمة. أحاول، هنا، شيئا واحدا هو بعثرة ما أملك من كائنات الحبر على جسد من بياض يرتدي عباءة الشهوانية النصيةِ، ولا شأنَ لي بالحرب الأزلية بين الأبيض والأسودِ، ولا مرام عندي لتحقيق الصلح بين اللونين باعتماد بعض نوايا زهير بن أبي سلمى لإصلاح عصر جاهلي. كما أنني بريء من الجراح التي رسمها بياضنا المنافق على السودانِ الأبيض كالثلجِ والطاهر كقلبِ أمي.
            لا أعرف بالتحديد، إنْ كنتُ من يُنتجُ معنى هذه الكلماتِ، أم أنَّ شهوة البياض تفعل، لكن هناك أسئلة تتهاطلُ، في غفلة المقصدية، من غيمة التأويل:
كم سودانَ أبيضَ سنمزقُ يا سيوفَ القادمين من البنية السطحية للنص؟ كم جغرافيا جديدة سنفجعُ بها فرحة الإدريسي بخارطة ناقصة لأرض واسعة كاملة في المخيال؛ محتملة التقسيم في وقائع يُخفيها الغيبُ في جيبِ مستقبل بائس؟ هل كلُّ هذا يُضمره بياضُ الورق وسوادُ الحبر يا جبران خليل جبران؟
            هناك احتملاتٌ عديدة للإجابة عن هذا السؤال، لكنَّ تقسيم السودانِ الأبيض بسواد قلوبنا هو آخر احتم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

صهيل الفناء ..حصان الخلود..

كتبها محمد الأمين سعيدي ، في 30 أبريل 2011 الساعة: 02:13 ص

صهيلُ الفناءِ..حصان الخلود..

بقلم: محمد الأمين سعيدي
 
ما الفرقُ بين قصيدة جميلة ولوحة فنية مبهرة؟ بينها وبين قطعة موسيقية تسلبُ الروح؟ بينها وبين جرح يوضِّبُ أغراضه ويتركُ أثرا لن ينساهُ الجسدُ على كل حال؟ لا فرقَ أبدا ما دام الإبداعُ واحدا في الأخير، والمبدع الخلاَّقُ واحدا أيضا. كما أنَّ اليدَ التي كتبتْ القصيدة البهية ليستْ نقيضا لليد التي أسرتْ صورة هاربة في المخيالِ على صدر اللوحة، ولا هي نقيض لليد التي داعبتْ شهوة الأوتار وأجهشتْ بالروعة؛ هي ليستْ نقيضا لهما لأنَّ الإبداع واحدٌ وإنْ اختلفتْ عنهما بسبب اختلاف الحرفة وتغيُّر الأدوات.
        وما دام الحديثُ عن الإبداعِ هذا العالم الأوسع من أفهامنا الضيقة، فإنَّ الاقترابَ من مساءلة طبيعته أمرٌ مشروعٌ شرط أنْ يخلو من إدِّعاء الإحاطة به، أو معرفته معرفة تامة. لكن انطلاقا من النماذج الإبداعية الخالدة يظهرُ لنا الإبداع أبعد ما يكونُ عن تقديم الإجاباتِ لأنه يتكئ على السؤال ليختبِر مدى متانة اليقينيات التي تغمرُ هذا العالم، أو ليُدخِل الإنسان إلى مغامرة التساؤلات الكبرى والحفر عميقا في الوجود، في الذاتِ، في الماضي والحاضر والمستقبل؛ مغامرة تفتح باب الرؤى على مصراعيه لاستقبال كائنات المعنى المشاكسة، أو لتأثيث مدنٍ مستحدثة للمعاني تدفع إلى إعادة صياغة خارطة الاستيعابِ الإنسانيِّ للجديد وتقبُّلِّه للمفاجئ والمربك على حدٍّ سواء.
        لو أنَّ كائنا ما أعطيَ الاختيار فيما يجب أنْ يكون عليه: طائرا، إنسانا، زهر

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

خليلية الوزن وتكسُّر العمود في ديوان”شظايا”..

كتبها محمد الأمين سعيدي ، في 4 مارس 2011 الساعة: 23:42 م

 

خليلية الوزن وتكسُّر العمود في ديوان"شظايا" لمجذوب العيد المشراوي
بقلم: محمد الأمين سعيدي/الجزائر
 


******
*****
***
**
لقد ساد عند الدارسين طغيان حكم مسبق على بعض القصائد المعاصرة القائمة على بحور الشعر العربيِّ الموروثة، إذ يعتبرونها، مطلقا، قصائد عمودية كلاسيكية دون مراعاة منهم لأسلوبيتها التي قد تختلف قليلا أو كثيرا عن أساليب القصائد القديمة، وربما تغايرها تماما. كما أنهم من جهة أخرى يتناسونَ أنّ ما نسميه قصيدة عمودية لا يستمدُّ هذه الصفة من كونه موزونا بالأوزان الخليلية، وإنما لأنه خاضع لأبواب عمود الشعر السبعة التي حددها النقاد القدماء واكتملتْ على يد المرزوقي خاصة، في شرحه لديوان الحماسة لأبي تمام. وهذه الأبواب هي قواعدَ "قد عالجتْ بنية الخطاب الشعري العربي في جوهره، وليس في شكله العروضي"(1)، وبهذا كانتْ قواعد تتخذ من الشعرية الشفوية الجاهلية أنموذجا أعلى يحتذى به، وعلى أساسه تحدد شعرية الشعر وشاعرية الشاعر. وعليه ليس كل كلام شعري موزون ببحور الخليل عموديا، وإنما ندعو بالعمودي الأشعار الوفية لأبواب عمود الشعر التي تفرض على الشاعر قول ما يقبله العقل ويتقبله المنطق فقط. ومن أجل هذا رفض كثير من النقاد الأوائل طريقة أبي تمام في قول الشعر، وزعموا أنه يكتب على غير طريقة العرب، ومن ثمة أقصاه كثير منهم من دائرة الشعر الرسمية. فإسقاط صفة العمود على أي نص موزون بالبحور المعروفة هو خطأ شائع قلما يتداركه كثير من الباحثين.
بناء على هذه القناعة قرأنا ديوان"شظايا" للشاعر الجزائري مجذوب العيد المشراوي(صدر الديوان سنة 2010 عن دار ليجوند، وهو ثالث دواوينه)، وعلى أساسها تعاطينا بعض قصائده التي وإن كانتْ وفية للقصيدة القديمة وزنيا، إلا أنها تختلف عنها أسلوبا ومضمونا.
******
إنّ قارئ ديوان "شظايا"يزعم يقينا أنّ الشاعر مجذوب المشراوي وريث مدرسة شعرية عربية ابتدأتْ مع مسلم بن الوليد في تلطيف معاني الشعر وترقيق ألفاظه، واكتملتْ مع أبي تمام في الخروج عن عمود الشعر، وفي الاشتغال على الفكر وتصيد بعيد المعاني، وانتهتْ إلى سبيل جديدة مع المتنبي. ولا يعني هذا أنّ شاعرنا مقلد أو معيد في شعره طرق غيره، ولكنّ هذه المدرسة القديمة هي التي أسستْ بحق للحداثة الشعرية، وكان وارثوها جماعة غير قليلة من شعراء الحداثة كأدونيس مثلا، الذي جعل في أكثر من دراسة بداية الشعر المتمرّد على العمود والباحث عن التجديد تبدأ مع هؤلاء الشعراء العباسيين الذين حملوا معولا هدموا به العمود وبنوا به منحى جديدا في الشعر العربي. وعندما نقول أنَّ المجذوب المشراوي وريث هذه المدرسة، فذلك لاعتقادنا أنَّ الشعراء المذكورين أنهم ينتمون إليها من القدماء فتحوا باب الشعر على أفق جديد تملَّص كثيرا من الغنائية العمودية التي أسرتْ الشعراء ضمنَ موضوعاتٍ لها علاقة بالعواطف والوجدان فقط، وحرمتهم من التفلسف والتفكُّر والبحث عن طرق مختلفة لتكوين المعنى وابتكاره. وعليه يُصبح الشاعر المشراويِّ "يُحاول أنْ يأتي بالجديد في شكل القديم"(2)، وهذا يدخله دائرة الشعراء الذين سعوا هذا السعي من مسلم بن الوليد إلى يومنا هذا.
******
إنَّ الشاعر المشراوي مثل غيره من شعراء العربية، من حقه، أنْ يكتبَ في الشكل القديم كما يكتبُ في الأشكال الحداثية، ومن حقه أيضا، بل من حق أيِّ شاعر، أنْ يكتبَ في أيِّ شكل شعريٍّ أراد مادامتِ الشعرية لا تحدد بالبناء العروضيِّ، وإنما بعناصر جوهرية تجعل الشعر كلاما مختلفا عن غيره. وعليه فالشاعر الخلاَّق"تحديدا، جديد دائما-حتى حين يكتبُ بأشكال وزنية سابقة. فإذا كان الشكل بنية حركية، فإنَّ المهم هو النسغ الذي يجري في هذه الحركة ويُجريها. ولهذا ليس الشكل هدفا أو غاية. الهدف هو توليد فعالية جمالية جديدة"(3)تمنح الشاعر احتمالات متعددة لتشكيل اللغة على رقعة رؤياوية وإبداعية مغايرة. ويترتبُ على هذا كله أنَّ من حق أيّ شاعر علينا، ومن حق المشراوي أيضا، أنْ ننظرَ إلى ديوانه وإلى قصائده الخليلية نظرة الباحث المنصف للجمال وللذة النصِّ سواء في الأشكال السابقة أو في الأشكال الحداثية. لأنه كثيرا ما يكتبُ، ما يعتقد بعضنا أنه عموديُّ، بلغة أبعد ما تكون عن قواعد العمود، ومن ثمة هي لغة تدعو القارئ والدارس إلى النظر إلى الديوان بعين تكشف ما أضافه الشاعر إلى مدن القول من تنويعات شعرية وتشكيلات لغوية متنوعة.
******
"شظايا" هو ديوان شعري أغلبُ قصائده خليلية، كما أنَّ فيه مجموعة من النصوص الحرة، ولكننا اكتفينا بما ورد على بحور العرب القديمة لنستكشف ما فيه من خروج عن النمطية التي صبغتْ الشعر العربي الخليلي لقرون عديدة. وهو في قصائده الخليلية هذه لا يكادُ يخرج فيها عن أسلوبين اثنين تقريبا، الأوَّلُ يتحدَّثُ به عن ذاته صراحة، أي أنه أسلوب يُحركه ضمير المتكلِّم "أنا"، ويتجلَّى في أفعال ماضية ومضارعة تعكس هذا الضمير وتعبِّر عنه مباشرة. والثاني يُعبِّرُ به عنها كأنها آخر غيره، أو بتعبير مغاير، نجدُ في الأول رؤية الذات كأنها منفصلة عن الآخر، منشغلة بإيجاد علاقتها بما حولها، أو كأنها عالم مستقل بنفسه عن الغير، ونجد في الأسلوب الثاني رؤية للذات داخلَ حدود العالم، وفي اتصالٍ وثيق بالآخرين حتى يتوهّم القارئ أنَّ الشاعر يتحدَّثُ عن غيره بينما هو يتحدَث عن ذاته كأنها آخر، أي كأن الشاعر تلبَّس ذوات كثيرة غيره وعبَّر عنها كذاتٍ واحدة. وفي كلا الأسلوبين نجد صراعا داخل هذا العالم، وفي الآخرين، ومعهم، وصراعا داخل ذات الشاعر على حساب العالم، أي ضدَّ الآخرين. ولا نستطيعُ أنْ نصنف نصوص الديوان باعتبار الذاتية والموضوعية، وإنما نقدِّرُ أنَّ الشاعر عبَّر في الرؤية الأولى عن ذاته في استقلاليتها كذات، وفي الرؤية الثانية عبَّر عنها في اشتراكية الآخرين فيها، لأنّ ذات الشاعر هي وطن من حقِّ أيّ إنسان أن يبحث فيه عن هوية ذاته الضائعة.
هذان الأسلوبان سواء ما كان منهما ذاتيا داخليا، أو ذاتيا منفتحا على أحداث العالم، يؤسسان لمفهوم التشظي الذي جعله الشاعر عنوانا لديوانه. وإنْ كان لا بدَّ من إيجاد مبرر لهذا الصراع الداخليّ/الخارجيّ للذات مع ذاتها ومع الآخر الذي ليس إلا هي في صورة غيرها، فهذا المبرر هو الوجودُ الجماليِّ الفنيِّ والمضمونيِّ الفكريِّ لمفهوم التشظِّي داخل الديوان.
إنّ ما يجبُ حدوثه في هذه القصائد، وحدث فعلا، هو الانفجارية المفرطة بشظايا هذا الصراع داخل عالم الذات وخارجها، أي داخل عالم الناس أيضا. والمنتظر هنا طبعا، هو نقل هذا التشظي من رقعته النفسية والمضمونية إلى رقعة فنية محضة، وقد حصل هذا فعلا، إلا أنَّ هناك بعض النصوص داخل الديوان لا تستجيب له، وتظل تسير على نمطية أسلوبية، وأحيانا مضمونية أيضا*.
******
التشظي، هنا، في الديوان، ذو منحى نفسي، لأنه لو كانَ فكرة متقصدة من طرف الشاعر، لبدا التصنُّع وآثار تعمُّلِ الفكر في القول واضحين. ولأنه هكذا، انعكس، في القصائد التي نجح في التمظهر فيها، على الجانب اللفظي والمعنوي والموسيقي على حدٍّ سواء، ومادام هذا ديدنه فهو يفترض التفكُّر الجيد في الانزياحات التي هي، دائما، من طبيعة الشعر، لكنها في "شظايا" من أشدِّ خصائص الديوان بروزا. والتشظي على ما يقتضيه من فوضى خلاقة إلا أنه يفرض نوعا من القراءة التي "تتجاوز استقلالية الانزياحات بعضها عن بعض، تلك الاستقلالية التي فرضتها البلاغة القديمة، وتبني مكانها جدلية الانزياحات عامة"(4)باعتبارها ذات اتصال مع بعضها سواء كانت انزياحات لفظية أسلوبية، أو مضمونية، أو انزياحات على مستوى البنية الموسيقية للقصائد. من ثمة يلاحَظ انعكاس تشظي الفكرة على الأسلوب وعلى الوزن والقافية، حتى يبدو أنه عدوى بقدر ما تزرع الشتات في ثنايا النصوص، تحوِّلها إلى نصوص تستمدُّ تماسكها من شتاتها، ووحدتها من تشظيها.
يقول الشاعر:
نفسي هفتْ.. قلقتْ.. كانتْ بلا لغة
هل ثمَّ من شاعر ينجو من النارِ(5)
هنا، في هذا البيت، يظهر جليا تأثير الانزياح الدلاليِّ على التركيب، فجاء صدر البيت عبارة عن جمل متقطعة لفظا، جعلتْ بحر البسيط يبدو كأنه خبب يتسارعُ تدفقه مما جعل القلق الذي يعبِّر عنه الشاعر ينتقل إلى اللغة ذاتها التي بدتْ في تقطعها لا تقول شيئا،

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حتى يرجع الأملُ..

كتبها محمد الأمين سعيدي ، في 21 أكتوبر 2010 الساعة: 21:45 م

حتى يرجع الأملُ

محمد الأمين سعيدي

http://www.art-maroc.co.ma/Peintres/G/Gueddari/Slides/BOITEAUL.jpg

 

غابُوا فغـابَ عَن ِالأبْصَارِ..وارتحلوا
وحمّلوا الريحَ فِي ســرٍّ وقـدْ فعلوا
+++
مِنْ أسْفل ِالخوْفِ نادى ..وسْط مُظلِمَةٍ
مـا عـانقوا صوتَهُ يومًا و ما نزلوا
+++
هُمْ عُصْبَــة ٌمِنْ شتاتٍ..ليتهُمْ سَمِعُوا
صراخَـهُ ..ظلَّ فـِي الأعْمَاقِ يبتهلُ
+++
يُنـاشدُ الشمسَ كــيْ ترْمِي حبائِلها
في جُبّهِ… ربَّما الأشـــواقُ تشتعِلُ
+++
يجرّعُ الحلمَ تأويلا … يرى مُدُنـًـا
حُبْلـى بِحَرْبٍ ضَرُوسٍ..أهلها اقتتلوا
+++
تمزّقوا ..أحرقـُوا بلدانَهُـمْ ..نهبـُوا
خيراتِها ..ليتهُمْ مِـنْ أرْضِها رَحَلوا
+++
مـَا زالَ فِـي الجُبِّ و الأنوارُ مُطفأة
يُسـائـِـلُ الحُلمَ :هــلْ لله ما فعلوا؟
+++
يرمّمُ المَجْدَ فـِي أنقـَاض ِمَمْلكـَـةٍ
كانت ترمّمُ..تبنِـي مَجْدَهـا المــِلَلُ
+++
غابوا …وقدْ عادَ مِنْ ذِكراهـُـمُ أثرٌ
عادُوا تقودُهُمُ الأحقـــادُ و الحِيـَلُ
+++
فمنــذ ذاك وفـِي أثوابِنــَا بُقَـَعٌ
مـِـنَ الدِمـَـاء وفِي أرواحِهمْ خللُ
+++
ولمْ يزلْ مَجْدُنـَـا فـِي الجُبِّ مُعْتقلا
ولمْ يزلْ وَهْمُهُـمْ يَسْـرِي و يعتقـِلُ
+++
نُهدِّئ الوَجـَعَ المَدْفــُونَ مُـذ زَمَن ٍ
ونعبـُـدُ الصَنــَمَ الملعـُونَ، نبتهِلُ
+++
ونرفعُ القصْـرَ كيْ يأتـِي معذبُنـَـا
ليرفعَ السَوْط…كيْ يَرْضـَى بِهِ هُبَلُ
+++
يا عُرْبُ يـا مَوْطِنَ الآلام، هلْ عرفتْ
صحراؤنـَا أننا أوْدَى بِنــَا الوَجَلُ
+++
أنّ السُّيـُوفَ التـِي كــانتْ تُعانِقنا
ما فارَقتْ غِمْدَهَا دَهـْرًا ..وإنْ قتلوا
+++
يا إخوَة السـُـوء ِهَلْ أحْلامُنـَا سِلعٌ
تـُبَاعُ..أمْ أننـَا كالصَخـْـرِ نحْتمِلُ
+++
خِداعُكمْ أرْهَقَ الأوْطانَ …ألبَسَهـَـا
ثوْبَ الدِمـَاء ..فغطَّتْ وَجْهَهَـا العِللُ
+++
تـُقاتِلـُونَ صَفَاءَ الرُّوح ِ ..تحْمِلنـَا
علـى يـَدِ النـَّار ِيُسْرَاكمْ ..فنشتعِلُ
+++
فِي كـُلِّ صُبْح سَمَــاءُ الغيْبِ تقذفنا
بالسُّخطِ…تقتـَاتُ مِنْ أوجاعِنا الغِيَلُ
+++
يُهاجِــمُ الصَبْرَ صَبْرٌ فـَرَّ مِنْ دَمِنا
ويُعلِـنُ السِلم َ قــَـوْمٌ أمْرُهمْ خبَلُ
+++
ويرفعُ الرايــَة َالبيضـاءَ فـِي أفقٍ
خوفٌ إلى داخـِــل ِالأرواح ينتقلُ
+++
فآخرُ النـَّــاس ِمظلــومٌ ومنكسِرٌ
وأوّلُ النـَّـاس ِمَسْجُـونٌ ومعتقَـَلُ
+++
وكلُّ ذي مُهْجـَــةٍ حُبْلى بعــاطِفةٍ
يرْتــَاحُ فـِـي دَمِهِ مُذ أقبلوا الشللُ
+++
هُمْ إخوة السُّوء خــانوا عَهْدَ سيّدهِمْ
وغيّبـُوا المَجْدَ فـِـي جُبٍّ وماخجلوا
+++
وأغلقـُوا الجُبَّ ..غطـَّوْهُ وما ندِمُوا
وراقبـوهُ علـى قرْبٍ ومــا قَفَلُوا
+++
حتـَّـى إذا أقبلتْ سيّـارة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حاشية على قصيدة “أجنحة لتمثال السياب” لعبد القادر رابحي

كتبها محمد الأمين سعيدي ، في 21 أكتوبر 2010 الساعة: 21:30 م

 حاشية على قصيدة "أجنحة لتمثال السياب" لعبد القادر رابحي

بقلم الشاعر: محمد الأمين سعيدي

 

قرأتُ القصيدة وكأنني خضتُ رحلة تتماسّ مع مسارات عديدة تاريخية وفكرية وواقعية ولدتها اللحظةُ والراهنُ الذي يعيشه الشاعرُ وغير الشاعر في هذا الزمن الأغبر كعابر سبيل أسطوري لا يتوقف عن الرحلة ولا يملّ من الاصطدام بكائنات الغبار، وكأني بالقصيدة أيضا، وإنْ استحضرتْ أسماءً حديثة وأرِّخَ لكتابتها بتاريخ قريب إلا أنها امتدّتْ طويلا عبر نافذة نحو البعيد البعيد سواء في ماضينا أو في حاضرنا، وكأنها "كانتْ على ثقة" بأنّ هذا الركام الذي مسّه شيء من صدأ التاريخ الموحل ومن آثار لحظتنا الزمنية الممزقة بين "سيوف" قديمة ولا هي قديمة، وحداثية وما كانتْ حداثية، وإنما هي سيوف يحملها عقل عربي "غريب الوجه واليد واللسان"(1)، كانتْ على ثقة أنّ هذا الركام صار "مشاعا" بين "ملائكة اليمين" الـ قاب قوسين من التقوى، و"شياطين الشمال" المسالمة جدا، وربما، إذا لم يكن حرج فذاك ركام تخاطفته "شياطين اليمين والشمال والشرق والغرب"، فالملائكة كما قالتْ جدتي ما عادتْ تمشي على الأرض منذ كذا وكذا.

وبعد، قالتِ القصيدة أيضا: لقد اتسعت الصحارى وفتحتْ صدرها للأعاجم والعواصم والقواصم وضاقتْ بنا نحن الصعاليكُ الجدد، لكن هناكَ أملا ظلّ يردده صوتُ "الشنفرة" منذ قرون يؤكّد، أنه، إذا سنحتْ معركة ذاتُ كرٍّ وفرٍّ سيتسنَّى للشاعر الفارس الذي بايعه الرملُ على حين غفلة من الرماح و"السفَّاح" أنْ يطويَ "خَيْمَات بَعْضِ الأَثْرِيَاءِ عَلَى ضِفَافِ الحَرْفِ"(2) ويبعثَ بها فوق "نوقٍ طائرة"، متجاوزا "طرائق الحداثة" لرايموند ويليامز"، إلى "الشانزيليزي" لعلها تجد وقتا أكثر للاستمتاع بالحياة بعيدا جدا عن جراحات الشعراء المعاصرين الذين يتذكرون المنفى كلما اشتاقوا إلى "عيون المها بين الرصافة والجسر"(3) ويتذكرون المقصّ كلما أرادوا أن يشبِّهوا أنفسهم بالأمم المستقلة من الطير.

        هكذا قالتْ "أجنحة لتمثال السياب" ذات غزوٍ أمرد الوجه على العراق، العراق الذي صار"يَحْتَمِي بِدُمُوعِ أَرْمَلَةٍ تُرَابِطُ فِي الصَّدَى"(4) وقد كان كما قالتِ الصرخةُ يهُبُّ لأوّل "واو اسثغاتة" تطلقها امرأة ما زال "لم يبدُ للأتراب من ثديها حجمُ"(5)، العراق الذي أوّل ما أصابه التعبُ، التفتَ نحونا، فرفعنا عباءاتنا البيضاء راياتٍ وأرسلنا إلى الكائنات الحديدية الطائرة برقية عاجلة:" نحن وإنْ كنا من لحم ودم، إلا أننا نحبّ الحديد، ونحن نفكِّر في التحوّل إلى "تارميناطور" يجري في عروقه "زيت الغاز" الذي يجري فيك"، وعلى رغم المبايعة تحت "سقيفة الخيانة" ظلَّت الكائنات الحديدية ترسل أكواما من نار وشظايا، وظلّ العراق يرقبنا بتعب، ونحن، رجعَ بعضنا بعباءاته الممزقة يبحث عن حلٍّ لرتق العار وستر العورة.
        أيتها الأجنحة، أيها التمثال، أيها الأهل الغادرون كضربة فأس"حفار القبور"(6) على كبد أمّه الأرض، أما زال السياب "يَتسَكَّعُ فَوْقَ جَمَاجِمِ المَوْتَى"(7) يُسائل العظام النخرة عن وجه القاتل، وعن جيوش الخوف تخرجُ من ناحية القلب، ويسأل الح

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

في البدء كان السؤال..

كتبها محمد الأمين سعيدي ، في 16 أكتوبر 2010 الساعة: 21:04 م

في البدء كان السؤال

بقلم الشاعر محمد الأمين سعيدي

الكتابة إعادةُ خلق، إعادة تكوين، وهي الفناءُ أحيانا أو الغيبُ أو الغيابُ. وهي أيضا حيرةُ القادمين من البنية العميقة للنصِّ، أي من اللا محدودِ الذي تتمدَّدُ فوقه مملكةُ المعنى وهيَ ترمِّمُ سقوطَها الأوَّل وانتصارَها الأخير في الوقتِ نفسهِ. وإذا كانَ هذا حالُها، فماذا يُريدُ قارئ غارق في الواقع حتى أذنيه من كتاباتٍ تعبدُ الواقع وتمجِّده وتنقله كما هو؟ بل ما نفعُ كتاباتٍ تعرضُ له من جديد ما يراهُ، وتُعرِّفه في كلِّ مرَّةٍ بما يعرفه أصلا؟
كانتِ الكتابةُ-في البدءِ-مكابدةَ الكائن في امتطاءِ "لام السؤالِ"، وفي الهربِ بعيدا جدا عن "ياءِ اليقين" منذ عواءِ أنكيدو-وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة- ففتحَ عيونَ جلجامش على أسئلة الحياةِ والموتِ والبقاءِ والخلود، إذنْ في البدءِ كانتِ الكلمة وفي البدءِ أيضا كانَ السؤال، وكانتِ الكتابة تربةَ العجائب التي تُنبتُ الممكناتِ وتمنحُ العالمَ ثمراتِ التأويل، تتفجَّرُ بأنهرِ القولِ الفاتنة، وتحفرُ مجراها صوبَ مغامرةٍ أبديةٍ لا نهائية البدءِ ولا نهائية الوصولِ.
في عصرِ الحكاياتِ الكبرى هذا؛ الحكايةُ في الشعر؛ في الروايةِ؛ في عيونِ الجدَّاتِ أيضا؛ في كلِّ شيء. يمتلكُ الحكَّاءُ الحاليُّ، قدرةً هائلة على الحبكِ والسرد؛ ابتكارِ الشخصيات، أو خلقها. يمتلكُ قدرةً كبيرة على الإحاطة بالمشهدِ، أصبحَ لا فرقَ واضح بين شاعر يعشقُ وروائيٍ يعشقُ وحتى جدَّة تعشق !! الجميعَ صارَ يُتقنُ إعطاءَ الأجوبةِ الخرقاء واعتلاءَ منابر الإخبارِ أمامَ قارئ تكفيه ضغطة زرٍّ واحدة على google ليعرفَ ما سيقوله أديبٌ عن حصارِ غزَّة مثلا.
الحكايةُ في البدءِ كانتْ منسوجة من خيوط السؤالِ ومصبوغة بألوان الدهشةِ. لم تكنِ الأساطيرُ-التي قيلتْ شعرا- مجرَّد تشابكٍ لأحداثٍ يُؤثث مسارَها السردي أبطالٌ رئيسون وثانويون، وإنما كانتْ أكثر من مجرد حكي. أسطورة "أورفيوس" عازف الناي الحزين مثلا تخبِرُ عن قصة حبٍّ عاثر لكنها تطرحُ أيضا سؤالَ الموتِ والغيابِ والشقاءِ الأبديِّ. ولم تكنْ أسطورة "برومثيوس" تروي سرقته للنارِ المقدسة الخاصة بالآلهة ونيلَه للعقابِ فقط، وإنما كانتْ تُضمِرُ سؤالَ التمرُّدِ وكسر سلطةِ المحضور. "أخيل" في طروادة كانَ فرحةَ البشر بالخلود، وفجيعتَهم بالسؤالِ المدسوس أسفلَ قدمه، في كعبه بالذات: هل حقا أنتم خالدون؟ هكذا كانتِ الحكايةُ-في البدءِ- سؤالا، وكانَ القارئ يتابعُ مسارَ السردِ ويتحسَّسُ حمحماتِ السؤالِ المضمرة.
لماذا يميلُ الكثيرُ إلى السورياليةِ الحالمةِ في جميع أصناف الفنونِ التعبيرية وغيرها؟ لماذا ترتفعُ نسبة المشاهدين لأفلامِ الخيالِ والخيالِ العلميِّ؟ أليسَ واضحا، أو ربما غامضا، ما يدفع المتلقي إلى هذه الأعمال دون غي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

يوم مخبول عليه اللعنة..

كتبها محمد الأمين سعيدي ، في 16 أكتوبر 2010 الساعة: 20:20 م

يوم مخبولٌ عليهِ اللعنة

محمد الأمين سعيدي/شاعر
 
على بعد شارعين من الحقيقة، ألبس الوهمَ الجاثمَ فوق رؤوسنا منذ قرون، وأتسكَّع باحثا عن شمس جديدة غير التي آمنَّا بها طويلا، أتسكَّعُ، أفتحُ بابا على الغيب، وأختفي فيه دون سابق إنذار، أدخله فقط، أهوي فيهِ، أتشظى. أتحوَّل إلى مغناطيس لأجمع ما تبقى مني من فتاتٍ إلى بعضه بعض، أتجمَّع من جديد مع نقص في بعض تفاصيل ملامحي، مثلا، أفقد ابتسامتي، تتعطَّل قدرتي على تحريكِ حاجبيَّ، وتتسمَّر عينايَ بنظرة حادَّة تخيفني شخصيا.
أتسكَّعُ بعمق، أقف عند بائع الجرائد أبحث عني في بعض الملاحق الأدبية، أفتِّشُ بين السطور فأراني أهرب ملطخا بالحبر، أتبع شبحا أحسبه الحقيقة، أتبع معنايَ الهارب منذ سنواتٍ مني، ومن ادعاءاتِ الحروفِ بأنها تملك سرَّه، أغادر بائع الجرائد هاربا من هروبي بين السطور إلى شارعٍ ثالثٍ يجعلني أبعد أكثر عن الحقيقة القبيحة من كثرة المساحيق التجميلية التي يضعها على وجهها الأوصياء ومالكو صكوكِ الغفران، أهرب من هروبي عبر امتدادِ شارع يرهق جسمي ويرهق هذا القلب المليءَ بالشِّعرِ، بغربة المتنبي، بلذة إدغار ألان بو بالغربان، قلبٌ ينبض فوقَ احتماله، أحيانا يتباطأ نبضه فأخشى أنَّ اكتشاف الطب الحديث عن موتِ الشعراء بوهنِ القلبِ صحيح، لكني أواصل الهربَ وأفكِّر في قصيدة حداثية جديدة أزيل بها بعض الأتربةِ عن عمودِ الشِّعر، وكلما آلمني قلبي أواصل خلق القصيدة وألعنُ الطب الحديث.
المشيُ حرفةُ المثقف الحرّ، هكذا أوهمُ نفسي وأنا أمرّ بجوار مكتبة كبيرة، أقف أمامها قليلا، أكرر ما قلته فتهربُ مني العبارة، أفقدُ قدرتي على الكلام، وأكتشف وجهَ حريتي لأوَّلِ مرة، أنا حرٌّ بجبل الأوهامِ الذي أح

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أفتِّشُ في الشيء/أتشظَّى..

كتبها محمد الأمين سعيدي ، في 10 أغسطس 2010 الساعة: 21:52 م

 

أفتِّشُ في الشيء/أتشظَّى
محمد الأمين سعيدي
 
1/
أخرج من عيون المسافةِ/
ألتحفُ صمتَ الجهاتِ/
أدور قليلا في المتاهةِ/وأكفرُ بالبوصلة./
المسارُ انحناءاتُ الدهشةِ/
الصحراءُ اعترافٌ بالضلالةِ/
ليسَ في اليدِ إلا مدنُ العويلِ/وفي الجيبِ رملٌ يتنبَّأ بالقطيعةِ/
في العيونِ جرح غائر/.
+++
+++
2/
أنظرُ قربي فأبصر الخواءَ/أبحث فيه فأجدُ الشيءَ/أفتِّشُ في الشيءِ فأراني بعيدا/
تهربُ بي الخطواتُ/
ولا أتعرَّف عليَّ/
…..
…..
أنظرُ بعيدا فأرى القربَ/وأرى أنهارا كاذبة تتربَّصُ بي/
     +++     
+++
3/
في الفناءِ أحفرُ/أزيلُ كثيرا من الأتربةِ/قبل أنْ يختنِقَ الوجودُ المردومُ/.
+++
+++
4/

 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb




التالي