رحلةُ الأرضيِّ إلى السماويِّ في ديوان"الملائكة أسفل النهرِ"للطيب لسلوس
بقلم الشاعر محمد الأمين سعيدي
"الملائكة أسفل النهر"، ديوان قرأته بين السماءِ والأرض، أقصدُ أثناءَ سعادتي بالإفلاتِ من ثقلِ الطين وقبضة الجاذبية وامتطاءِ الخفَّةِ، وحزني بالعودةِ من جديدٍ إلى الالتصاقِ بأرضيتي والخضوعِ لقوتها الجاذبة، لدورانها حول نفسها وانقلابها علينا. والحقيقةُ أني قرأتُ نصف الديوان في طائرة عائدة إلى "وهران" بجانب فتاةٍ فرنسية جميلة كانتْ تسألني عن الكتابِ الذي في يدي، وعن الباهية وهران، عن شوارعها، ناسها، انتصاراتها وانتكاساتها، كانتْ تسألني على جمر، وأخبرها، كالراوي تماما، باستمتاعٍ كبير ونشوةٍ عارمة. وقرأتُ النصفَ الثاني من الديوان وأنا عائد إلى مدينتي برًّا، أيْ في الأرض، وفي خضوعٍ تامٍّ لقوانين الجاذبية، بجانبِ شابٍ ذواقٍ قرأ نصف الديوان وتناقشنا حوله. كما أنَّ صاحب الديوان الطيب لسلوس قرأ لنا بعض نصوصه تحت مطر غزير أمام مرسى سيدي فرج، حتى تبللتْ أوراقُه، وغلافه الأزرق المائل نحو البياض فأوحى لي بالنهر. وأنا أكتبُ عنه الآن، بعد تجربتي معه، في بيتي أرتشف القهوةَ وأستمعُ لموسيقى القناوي مع "كريم زياد".
من هنا، صرتُ أكثرَ اقترابا من العنوان أولا، باعتباره واجهة النص وعتبة بيته. ولأنه عنوانٌ واسع الدلالة، وقريبٌ في نظري من لوحة فنية غامضة، جمعَ بين ما يبدو متناقضا في الظاهرِ، وجعلَ منه ثنائية متماهيةً حدَّ الذوبان، وكأنّ المقصد من وراء هذا العنوان هو إعادة الأرضيِّ إلى السماويِّ عن طريق إنزال العلوي إليه: الملائكة أسفل النهر، والمقصد يتوضَّح حين نربط بين طبيعة الملائكة النورانية وطبيعة الماء التي تدلُّ على كل ما هو شفاف وصادق وغير خاضع للقوالب السابقة والنماذج المحددة، وكأنَّ المرادَ بالجمع بين الملائكة الدالة على العلوِّ، والنهر الدالِّ على الأرضيِّ، والأسفل، وعلى الماء، هو تشكيل لوحة عجائبية للروح، ولعوالمها الواسعة كالمحبة، لأنَّ هذه الأخيرة ذاتُ أصلٍ سماويٍّ لأنها روح من روح الله عزَّ وجلَّ، بدليل أول النفخِ:"ونفختُ فيه من روحي"(صدق الله العظيم)، وذاتُ تواجدٍ أرضيٍّ بحكمِ الشكلِ الترابيِّ الذي اختيرَ لها، الشكل المناسب لطبيعة الحياة في الأرض، المأخوذ ذات قبضة مباركة من أديمها، والمتكيِّف مع قوانينها وطبائعها.
"ريشتي على رأسي
أجيءُ إذا كسروا رقمَ الروح،
أختمُ زند نبيٍّ وأختفي في النهرِ ثانيةً
ولا تُطرقوا السمعَ فلا أثرَ لما أخطو إليهْ.
خواصُّ الروح ليستْ ما أفكِّرُ أنه القلب،
أو الاعتدالُ على موجةِ القمرْ.
ولكنَّ رجائي في الظلالِ."
يوحي هذا المقطع من قصيدة "العليانalien" بنوعٍ من الإيغالِ في الغائب والمخفيِّ، ابتداءً برمزية الريشة التي تدلُّ على التحليقِ، وعلى الخفَّة والتحرر، وصولا إلى "رقمِ الروحِ" المكسورِ، حيثُ تنعدمُ الحدودُ، وتسقط كل قيود الزمان والمكان، ويتسعُ غيبُ الرؤيا حتى يبقى"لا أثر لما يخطو إليه"، وتتعطَّل القيافة والعيافةُ بسبب تغلُّب الرؤياوي على المجسَّدِ، والروحانيّ على ظاهرِ الأثر، على آثارِ الجسد. حينها لا ثقة للشاعر، أو للصوتِ المتحدِّثِ داخل النص، ولا رجاءَ له إلا في الظلال، أو هكذا يستمثرُ مقولة ابن عربي في "فصوص الحكم":"فما يُعلَمُ من العالَم إلا قدر ما يُعلَم من الظلال". الظلالُ تلك الكائناتُ الممتدَّة امتدادَ الحيرة في عيون الشعراء، أو ذلك الأثر الذي لا تفقه فيه القيافة شيئا، ولا أملَ في أنْ تمسكَ به يد أو تلحق به قدم، أو يثبته مسمار أو دُسُر.
ثم، لأنَّ الظلَّ من معكوسِ الشيء الموجودِ أصلا، فإنَّ رجاء الشاعرِ في معكوس روحه، أو في مكسورِ رقمها المعكوس، يُشكِّلُ
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ